عثمان بن جني ( ابن جني )

393

الخصائص

باب في الاكتفاء بالسبب من المسبب وبالمسبب من السبب هذا موضع من العربية شريف لطيف ، وواسع لمتأمّله كثير . وكان أبو علي - رحمه اللّه - يستحسنه ، ويعنى به . وذكر منه مواضع قليلة . ومرّ بنا نحن منه ما لا نكاد نحصيه . فمن ذلك قول اللّه تعالى : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [ النحل : 98 ] ( وتأويله ) - واللّه أعلم - : فإذا أردت قراءة القرآن ؛ فاكتفى بالمسبّب الذي هو القراءة من السبب الذي هو الإرادة . وهذا أولى من تأوّل من ذهب إلى أنه أراد : فإذا استعذت فاقرأ ؛ لأن فيه قلبا لا ضرورة بك إليه . وأيضا فإنه ليس كل مستعيذ باللّه واجبة عليه القراءة ؛ ألا ترى إلى قوله : أعوذ باللّه وبابن مصعب * الفرع من قريش المهذّب " 1 " وليس أحد أوجب عليه من طريق الشرع القراءة في هذا الموضع . وقد يكون على ما قدّمنا قوله عزّ اسمه : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [ المائدة : 6 ] أي إذا أردتم القيام لها ، والانتصاب فيها . ونحو منه ما أنشده أبو بكر : قد علمت إن لم أجد معينا * لأخلطنّ بالخلوق طينا " 2 " يعنى امرأته . يقول : إن لم أجد من يعينني على سقى الإبل قامت فاستقت معي ، فوقع الطين على خلوق يديها . فاكتفى بالمسبّب الذي هو اختلاط الطين

--> ( 1 ) الرجز بلا نسبة في كتاب الجيم 3 / 216 . وبعده : * الراكبين كل طرف مثلب * يقال : هو فرع قومه ، للشريف منهم . ( 2 ) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ( خلق ) ، وتاج العروس ( خلق ) ، ويروى ( لتخلطن ) مكان ( لأخلطن ) . الخلوق : ضرب من الطيب .